لبنان والعالمهام

الحريري وسورية: نعامة تدفن رأسها في الرمال

يختبئ رئيس الحكومة المُكلّف سعد الحريري، في ملّف العلاقة مع سوريا، ‏خلف إصبعه.. وخلف المبادرة الروسية لعودة النازحين. ظنّ أنّ بوابة ‏موسكو، ستُشكّل له المفر من تعاون صريح مع الحكومة السورية، فإذا به ‏يصطدم باقتناع روسي بضرورة عدم تأجيل التنسيق (اللبناني ــــ السوري).

قبل أسبوعين، وصل إلى لبنان وزير الطاقة السوري محمد زهير خربوطلي. الخبر كشف عنه وزير المال علي ‏حسن خليل لقناة “الميادين”، مُضيفاً أنّ سوريا قدّمت إلى لبنان عرضاً لاستجرار الطاقة أرخص “من البواخر أو ‏حتّى المعامل، مع إمكانية أن تصل التغذية إلى 350 ميغاواط. أنا كوزير مال، أرسلت الموافقة إلى مؤسّسة كهرباء ‏لبنان لوضعها موضع التنفيذ”. هل وصل الخبر إلى مسامع تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي والقوات ‏اللبنانية وفريق 14 آذار السياسي، “المنتفضين” ضد “التطبيع” مع الدولة السورية؟ الأرجح أن يكون الجواب ‏إيجابياً، ولكنّ هذا الفريق السياسي الذي انغمس “حتى العظم” في مشروع استهداف سوريا، يتعامل مع الأمر وفق ‏سياسة النعامة التي تدفن رأسها في الرمال‎.

ملف العلاقة بين لبنان وسوريا استراتيجي، إلى درجة أنّ بعض أركان الدولة اللبنانية يعتقد أنّ بالإمكان تقرير ‏مصيره من خلال تصريحات إعلاميّة أو شعبوية. رئيس الحكومة المُكلّف سعد الحريري، في مقدّم هؤلاء، الذين ‏قرّروا التعامل مع الملّف اللبناني ــــ السوري بديماغوجية، بعيداً من أي منطق سياسي أو مصلحة وطنية. لم يكتفِ ‏بذلك، بل ذهب حدّ ذرّ الرماد في عيون الرأي العام اللبناني، من خلال تقديم معلومات، يُدرك تماماً عدم صحّتها‎.

في 14 آب، قال رئيس تيار المستقبل إنّه غير موافق على “عودة العلاقات اللبنانية ــــ السورية… هذا أمرٌ لا نقاش ‏فيه”. لافتةٌ لغة الحسم التي استخدمها الحريري. ولكنّها كانت لتكون أكثر إقناعاً، لو لم تكن العلاقات الثنائية بين ‏البلدين الجارَين الشريكين في مُحاربة الإرهاب والعدّو الصهيوني، قائمة ولم تنقطع يوماً! لا بل عمد الجانب ‏اللبناني إلى “تعزيزها” من البوابة الدبلوماسية. فحكومة سعد الحريري، هي التي وافقت في تموز الـ2017، على ‏تعيين السفير سعد زخيا على رأس البعثة اللبنانية في دمشق، بعد أن كان المنصب بعهدة القائمة بالأعمال فرح ‏برّي. لو أراد لبنان توجيه رسالة سلبية إلى الدولة السورية، لكان خفّض التمثيل الدبلوماسي، عوض إرسال ‏دبلوماسي برتبة سفيرٍ إلى سوريا لتمثيله‎.‎

لا يتعلّق الأمر فقط بالجانب الدبلوماسي. فلا يُمكن أحداً أيضاً القفز فوق التنسيق الثنائي، الأمني والإنساني ‏‏(النزوح) والزراعي والصناعي والكهربائي العلني والذي تتمّ المُجاهرة به. في أيلول 2017، التقى الوزيران ‏جبران باسيل ووليد المُعلّم، مُتحدّثين عن العلاقات الثنائية “بين البلدين الشقيقين”، ومن ضمنها “التنسيق والتعاون ‏السياسي والاقتصادي”. وفي بداية آب، كشف الوزير سيزار أبي خليل، أنّه “على تواصل مستمر مع وزير ‏الطاقة السوري، وتأمين الكهرباء من سوريا أمر واردٌ”. كما أنّ تلبية وزراء لبنانيين، لدعوات من الحكومة ‏السورية لم تتوقف، وآخرها مُشاركة الوزير حسين الحاج حسن في “معرض رجال الأعمال والمستثمرين في ‏سوريا والعالم 2018″، وقد تحدّث يومها وزير الصناعة عن عددٍ “من المصانع المشتركة بين البلدين يتمّ العمل ‏عليها عند المناطق الحدودية في الهرمل وبعلبك والقاع”. قريباً، سيطل عدد كبير من الوزراء اللبنانيين وممثلي ‏القطاع الخاص في لبنان عبر معرض دمشق الدولي (أيلول المقبل‎).

ليس الحريري وحلفاؤه (بعضهم يأمل في أن يكون شريكاً في إعادة إعمار سوريا)، بمعزلٍ عن هذه الوقائع، وإن ‏كابروا عليها. والتأكيد على ذلك، ليس بحاجةٍ إلى ضيافة جديدة للحريري في قصر تشرين، و”مُصافحة حارّة” ‏مع الرئيس بشار الأسد. يكفي أن يكون المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم مُكلّفاً رسمياً من رأس الدولة ‏اللبنانية لمتابعة ملّف النازحين، حتى يكون التواصل قائماً بصورة “شرعية‎”.

أصلاً، لا يُمكن الحديث عن مُبادرة روسية في ملف النازحين، أو غيره، من دون إدراك أنّ الحكومة السورية ‏ستكون في صلبها. هذا ما أبلغته موسكو صراحة للحريري. سوريا لن تقبل إلا باحترام كامل للسيادة السورية في ‏كل الملفات من دون استثناء. وما تُريده سوريا، هو الانتهاء من ملّف النازحين وعودتهم إلى بلدهم، قبل الانتخابات ‏الرئاسية في الـ2021. فتكون عندئذٍ، قد أسقطت صفة النازح عن أي سوري يبقى خارج بلده، على أن لا يُشارك ‏في الاستحقاق الرئاسي إلا من هو في الداخل. لذلك، تريد الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، عرقلة ‏أي عودة للنازحين إلى سوريا، قبل الـ2021، وهو ما يُعبّر عنه الحريري محلياً، برفضه أي عودة جماعية ‏للاجئين إلا برعاية الأمم المتحدة ووفق آليات متناغمة مع غير مصلحة لبنان وسوريا‎.

علاقة “الوصاية” من السعودية تجاه الحريري، تدفع البعض إلى الاعتقاد بأنّ موقفه أخيراً من التنسيق اللبناني ـــ ‏السوري، تعبيرٌ عن وجهة نظر سعودية. لا سيّما أنّ الحريري، وفي لحظة توافق سعودي ــــ سوري، غطّ في ‏العاصمة دمشق. إلا أنّ مصادر سياسية مُطلعة، تُرجّح أن يكون رئيس الحكومة المُكلّف “يُعبّر عن رأي شخصي، ‏مُفترضاً أنّه بهذا الكلام يتكلّم لغة الرياض، وبالتالي يتوجّه إليها برسالة تُطمئنها”. علماً أنّ الرياض “تُفضّل في ‏هذه المرحلة اعتماد سياسة الصمت، في ظلّ الحديث عن مُحاولتها طرق أبواب دمشق، من دون أن تلقى جواباً ‏حتى الآن‎”.

موقف الحريري استدعى ردّاً من الرئيس ميشال عون، فنقل عنه زوّاره (“الأخبار” عدد 17 آب 2018) أنّ ‏الجانبين اللبناني والسوري سيتفقان في الوقت المناسب على آلية رسمية في شأن فتح معبر نصيب. ثمّ أتى خطاب ‏الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله، ناصحاً “بعض القيادات” (الحريري ضمناً) “تهدي حصاناتها”، في ‏موضوع العلاقة مع سوريا. دعا هؤلاء “ألا يلزموا أنفسهم بمواقف قد يتراجعون عنها”. وكان لافتاً أنّ عون ‏ونصرالله، فصلا ما بين تشكيل الحكومة وملّف التنسيق مع سوريا، على عكس الحريري الذي اعتبر أنّ الثانية ‏ستنسف الأولى. مصادر سياسية مُطلعة توضح أنّ “الغاية من كلام عون ونصرالله، أن لا يُصور وكأنّ في البلد ‏وجهة نظر واحدة (سلبية) من العلاقة مع سوريا”. وتُضيف المصادر أنّ مصلحة لبنان الاقتصادية قائمة على ‏تعزيز التعاون مع سوريا. وفي النتيجة، “سيكون هناك تطور تدريجي للعلاقة مع دمشق، سيفرض نفسه، مُعزّزاً ‏بوضع سوريا الميداني‎”.‎

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى