مال و أعمالهام

جنون الدولار… شائعات أم حقائق؟

قد يكون من مصلحة البعض، في الداخل والخارج، تضخيم الأزمة المالية التي تعصف بلبنان، وقد أطلق رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على هذه الحملات تسمية “الشائعات المغرضة”.

وقد يكون من مصلحة أهل السلطة طمأنة الناس وعدم تخويفهم تمامًا كما حصل عندما خرج البطريرك الراعي منذ أشهر عدّة من القصر الجمهوري وأعلن أن البلاد قد أصبحت على مشارف الإفلاس، وهو كان يوّصف الحالة التي وصلت إليها البلاد، قبل أن تتفاقم الأمور، وقبل أن يبلغ السيل الزبى. حينها سارعت دوائر القصر الجمهوري إلى نفي هذه الأجواء، مع العلم أن البطريرك الماروني، ومن موقعه المسؤول، لم يكن يهدف إلى نشر الشائعات، بل كان ينقل أجواء ما سمعه من رئيس الجمهورية.

فأمام هذين المعطيين المتناقضين سواء ما يدخل منها في سياق الوقائع أو تلك التي تندرج تحت مسميات “الشائعات”، التي يتجندّ لها عادة ما يُعرف بـ”الطابور الخامس”، الذي ينشط في مناخات مؤاتية تسمح لمطلقيها بالوصول إلى أهدافهم، وذلك بفعل تقصير ما من بعض المسؤولين، الذين لا يمكلون الحجج الكافية لتطمين المواطنين ودحض مثل هذه الشائعات بالوقائع والبراهين الحسّية، التي لا تقبل الشك وتجعل الناس تطمئن فعلًا لا قولًا.

وهذا الأمر يستلزم بداية إقتناع السياسيين قبل الناس بأن الوضع، على رغم دقته، لا يستدعي مثل هكذا ردات فعل سلبية، بإعتبار أن مثل هذه الأجواء تؤثّر سلبًا على سمعة لبنان في الخارج مما ينعكس سلبًا على المستثمرين أو الذين يفكرون بأن يستثمروا في الداخل اللبناني.

إلاّ أن ذلك لا ينفي أن ثمة ازمة حقيقية، وإن كان البعض يحاول تضخيمها لغايات في نفس يعقوب، وهذا يذكرني بقول شهير لمؤسس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميل عندما كان يقول أنه لا يكفي أن تقول للمرء أن عليه الأّ يخاف، بل عليك أن تمنع عنه الأسباب التي تجعله يخاف.

وهكذا هي الحال اليوم مع السلطة، إذ لا يكفي أن ننفي وجود أزمة مالية وأزمة إقتصادية أو التقليل من مخاطرهما، وعدم إلقاء اللوم على مطلقي الشائعات، بل يجب أن تقترن هذه التطمينات بما يعززها بالحقائق والأرقام، خصوصًا بعد الكلام الذي سمعناه من النائب شامل روكز، وهو من أهل البيت تقريبًا، ويُفترض به أن يعرف “البير وغطاه”، وهو وصّف واقع الحال كما هو، ولكن بالطبع لم يطلق الشائعات، التي يفصل بينها وبين الوقائع خيط رفيع.

فلو افترضنا أن ما يُحكى في الصالونات ومن على المنابر هو محض شائعات، فإن من واجب السلطة أن تطفىء النار لمنع الدخان من الإنتشار، ولولا هذه النار لما كان هذا الدخان، الذي رأيناه أمام محطات الوقود وفي البلبة التي تفشت في اسواق صرف سعر الدولار، لينتشر بهذا الكثافة وبهذه السرعة، التي تسابق المعالجات، إن وجدت.

بالطبع لن نكون مشاركين في بث أجواء الذعر والبلبة، خصوصًا أن حرصنا على الإستقرار النقدي، كما الإستقرار الأمني، هو من الثوابت لدينا، وقد آلينا على أنفسنا أن نضيء شمعة بدلًا من لعنة الظلام، ولكن هذا الأمر لن يحول دون وضع الأصبع على الجرح، لأن المداواة بالمسكنات لم تعد ينفع في مثل الحالات التي يمرّ بها الوطن، وذلك خشية أن تتفاقم الأمور، بحيث لا يعود يفيد حتى الكيّ، وهو آخر الدواء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى