لبنان والعالمهام

حقيقة مفاوضات الناقورة

انتهت الجولة الأولى من مفاوضات الترسيم البحري بين لبنان “وإسرائيل” في الناقورة باستضافة الأمم المتحدة وتحت رايتها وخيمتها وبـ”وساطة مسهلة” من الولايات المتحدة الأميركية، وتم التفاهم على عقد جولة ثانية في 26 تشرين الأول/أكتوبر الحالي. ما هي أبرز الملاحظات على مجريات الجولة الأولى؟من حيث الشكل:أولاً، لا يقل الشكل أهمية عن المضمون. مبدأ التفاوض بين الأعداء هو معطى تاريخي وراهن أيضاً. ليست المرة الأولى التي يفاوض فيها لبنان عدوه ‘الإسرائيلي”. حصل ذلك في محطات سابقة. حتى أن “حزب الله،” وبصفته “الوكيل الحصري للمقاومة”، منذ تسعينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا، فاوض مراراً على أسرى وجثامين مقاومين، وأبرم إتفاقات مع “الإسرائيليين”، برعاية الألمان. كما أن الدولة اللبنانية تفاوض “الإسرائيليين”، عسكرياً، من خلال الأمم المتحدة، منذ تفاهم نيسان/أبريل 1996 وصولا إلى الإجتماعات الثلاثية بالناقورة منذ صدور القرار 1701 في 2006 وحتى يومنا هذا. إذاً، مبدأ التفاوض يحظى بإجماع وطني لبناني ولا غبار على موقف أي مفاوض لبناني يجلس قبالة مفاوض إسرائيلي في الناقورة.

ثانياً، لو إستجاب لبنان لما طلبه الأميركيون ولما كان يطمح إليه “الإسرائيليون”، لكان الوفد اللبناني المفاوض برئاسة أحد الوزراء أو المدراء العامين، لكن لبنان الرسمي، وتحديداً رئيس الجمهورية، مارس التقية السياسية، عبر الإستجابة للحد الأدنى مما هو مطلوب منه دولياً، من جهة، وعدم إستفزاز مكون سياسي لبناني أساسي، وهو ثنائي “حزب الله” ـ حركة أمل، من جهة ثانية. أمسك ميشال عون، أو بالأحرى جبران باسيل، العصا من وسطها، فأعطى الأميركيين ما يريدونه من دون أن تبلغ الأمور حد إستفزاز حليفه وحليف حليفه، ذلك أن الجميع كان مدركاً أن القصر الجمهوري كان بوارد تسمية مفاوضين أحدهما مدير عام القصر الجمهوري والثاني هو مدير مكتب وزير الخارجية.

ثالثاً، هل كان يمكن لمشهدية الناقورة التفاوضية أن تكون مختلفة؟ حتماً الجواب نعم. كان بمقدور لبنان أن يفاوض على إطار إتفاق يشمل كل التفاصيل التفاوضية الشكلية، بحيث يتم إستبعاد أي تمثيل مدني (دبلوماسي أو غيره)، فتكون المفاوضات حصراً بين ضباط لبنانيين وإسرائيليين وأميركيين ودوليين (يونيفيل). لقد ترك الإتفاق ـ الإطار هامشاً للأطراف الأربعة، فكان أن تبدى مشهد اليوم، حيث أخذ الأميركيون “والإسرائيليون” ما يريدونه، وأمكن للبنان أن يحفظ الحد الأدنى من وحدته الوطنية، بينما كان يمكن أن يحصل العكس، أي أن يذهب الوفد اللبناني المفاوض مُحصناً بأوسع توافق وطني لبناني، كأن يجتمع رؤساء الجمهورية ومجلس النواب والحكومة بحضور الوفد المفاوض، عشية 14 ت1/أكتوبر ويصدر موقف وطني لبناني موحد بدل حرب البيانات والصلاحيات التي جعلت الوفد عرضة لـ”نيران صديقة” قبل نيران العدو، على حد تعبير العميد الركن المتقاعد أنطون مراد

من حيث التوقيت:

عود على بدء توقيت الإتفاق ـ الإطار وموعد بدء المفاوضات. ليس خافياً أن الأميركي إختار التوقيت وإستجلب الموافقة الإسرائيلية المؤجلة منذ تموز/يوليو، على هذا الأساس. هذا التوقيت ليس بريئاً أن يكون متزامناً مع مواسم التطبيع “الإسرائيلية” ـ الخليجية والتي قد يكون السودان حلقتها الإفريقية والعربية الجديدة قريباً. ماذا كان يمكن أن يخسر لبنان لو أرجأ مساراً عمره عشر سنوات لمدة شهر فقط؟ لو كانت الذريعة هي الوضع الإقتصادي والمالي، فإن هذا المنطق يُفترض أن ينسحب أولاً على التكليف والتأليف الحكومي قبل أي شيء آخر، وكل المعطيات تشي بعكس ذلك.

من حيث المضمون:

أولاً، لا خلاف لبنانياً لبنانياً حول مبدأ إستعادة حقوق لبنان البحرية والبرية من دون ذرة تنازل. قد يختلف اللبنانيون على اللغة التي يمكن إعتمادها مع سوريا مستقبلاً، لكن في الشق “الإسرائيلي”، يُفترض أن يسعى لبنان لإستعادة حقوقه كاملة من “عدوه الميثاقي”(حسب الطائف). مجرد التفاوض بين طرفين، يعني أن أحدهما يجب أن يتنازل للآخر، أي لا يمكن لطرف من الطرفين، أن يأخذ ما يريده كاملاً، وإلا ما كان ينبغي أن يقبل بمبدأ التفاوض. كل طرف يريد أن يحسّن شروطه التفاوضية، وأولها حصانة داخله. هنا ثمة ثغرة لبنانية ينبغي الإلتفات إليها مستقبلاً، بعكس “الإسرائيلي” الذي يأتي محصناً بموقف موحد برغم التباينات التي قد تطيح بالإئتلاف الحكومي الحالي وبالتالي تضع إسرائيل على سكة إنتخابات تشريعية هي الرابعة على التوالي في فترة قياسية.

ثانياً، من الواضح سلفاً أن غالبية الـ860 كيلومتراً مربعا من المثلث المتنازع عليه يجب أن تكون ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية، وهي حالياً، حسب خط فريدريك هوف 58% للبنان (500 كلم2 من أصل 860 كلم2)، مقابل 42% للإسرائيليين. طبعاً، يمكن أن تزيد النسبة اللبنانية، ولكن مهما كانت النتيجة، وأبعد من لعبة الأرقام، سيكون الجيش اللبناني أمام معادلة أخيرة: هذا ما نقبل به وهذا ما نتنازل عنه. الرفض لأي تنازل سيكون مكلفاً للجيش والقبول بتنازل ما سيكون مكلفاً للجيش، فمن سيحمي المؤسسة العسكرية اللبنانية أمام كلا الإحتمالين اللذين سنصل إلى أحدهما عاجلاً أم آجلاً؟ هل يُرمى الملف على قيادة الجيش ويتنصل الجميع من المسؤوليات؟ وهل يمكن التسلل من خرم الترسيم لتحقيق أهداف في المرمى الرئاسي؟

ثالثاً، “لا ينبغي استبعاد إمكانية إنشاء طريق سري يتجاوز المفاوضات الرسمية، فبعض الأوروبيين قد تطوعوا بالفعل لهذه المهمة”، يقول المحلل “الإسرائيلي” إيهود يعاري، للقناة 12 العبرية، وهو المعروف عنه صلته الوثيقة بأجهزة الأمن والإستخبارات “الإسرائيلية”. يقتضي ذلك أن تكون العيون اللبنانية مفتوحة، خصوصاً وأن الشهية الإسرائيلية مكشوفة لتحقيق إنجاز سريع، ولعل هذه هي وظيفة البيان المشترك الصادر عن كل من “حزب الله” وحركة أمل، أي أن الأمر يتعدى مجرد تسجيل موقف سياسي أو تحذير. هي محاولة لوضع ضوابط وكوابح أمام أي إنزلاق لبناني محتمل إلى فخ المفاوضات والتنازلات، مهما كانت الإغراءات ومهما تنوعت وسائل الضغط ولا سيما العقوبات الأميركية.

رابعاً، المفاوضات هي مجرد محطة في سياق أكثر شمولاً وعمقاً. لنفترض أن المفاوضات إنتهت الآن، ونال لبنان ما يجب أن يناله. لن يُستخرج الغاز اللبناني قبل سنوات. هناك منظمة دولية شبيهة بالأوبيك إسمها “منتدى غاز شرق المتوسط”، تضم مصر وقبرص واليونان وإيطاليا والأردن “وإسرائيل” والسلطة الفلسطينية. هذه المنظمة سترتبط بالأنبوب الذي ينطلق من “إسرائيل” بإتجاه إيطاليا مروراً بقبرص واليونان. مصر ترشح نفسها لدور إقليمي من خلال محطات إسالة الغاز. الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خاطب نوابه في البرلمان اليوم قائلاً إن تركيا حجزت مكانها في خريطة شرق المتوسط وأن كل خطط إستبعادها والشطر الشمالي من قبرص باءت بالفشل. السؤال: أين سيكون لبنان مستقبلاً؟ هل سيكون متصلاً بالأنبوب “الإسرائيلي” ـ الأوروبي أم أنه سيتجه شمالاً نحو سوريا وتركيا ليرتبط بمشروع الغاز الروسي ـ التركي ـ الأوروبي؟ هل من خشي من مجرد التلويح بـ”الخيار الشرقي” إقتصادياً سيكون مستعداً للإنتساب إليه على مستوى الغاز؟

خامساً، أعلنت شركة “شيفرون” الأميركية، قبل ايام قليلة، إستحواذها على شركة “نوبل إنرجي”، في إطار صفقة بلغت قيمتها 4.2 مليارات دولار. كل أعمال الإستكشاف والإنتاج في المكامن “الإسرائيلية” الشمالية، أصبحت بعهدة “شيفرون”. هل يكون الثمن بالمقابل، أن تنخرط هذه الشركة في الدورة الثانية من التراخيص فتفوز بالبلوك رقم 8 الذي يتضمن أكبر مساحة خلافية بين لبنان “وإسرائيل”؟ وما هي التوليفة التي ستنتجها هذه المزاوجة الأميركية، هل هناك عاقل يعتقد أنها ستكون لمصلحة لبنان وماذا عن إستثمار المكامن المشتركة ومن سيستفيد أكثر، وهو إحتمال كبير في حال العثور على مكامن واعدة في البلوكين 8 و9؟ هل يجب أن نقول مسبقاً لا كبيرة لكل شركة فازت بأي مكمن حدودي مشترك مع لبنان جنوباً وشمالاً وغرباً، سواء من جهة إسرائيل أم سوريا أم قبرص، صوناً لحقوق لبنان؟

سادساً، من الواضح أن “إسرائيل” تتبع تقسيمات للبلوكات تأخذ بالإعتبار تثبيت وقائع معينة، فلماذا مثلا إخترعت بلوكاً نفطياً جديداً أسمته “شمال تامار”؟ ثمة تقديرات أن الحقوق اللبنانية تصل إلى تامار نفسه. هل يريد الإسرائيلي فرض أمر واقع، وتحديداً رفض التفاوض حيث بدأ الإنتاج في تامار وهو سيبدأ حتى الإنتاج من البلوك 72 (شمال تامار) قبل أن يبدأ لبنان بالإستكشاف!

سابعاً، أية صيغة لترسيم الحدود، وفق معطيات القوانين وأهمها إتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والعلوم الطبوغرافية والتكنولوجيا الحديثة والوثائق التاريخية وغيرها، قد تجعل مسار الترسيم البحري سهلا، شرط حسم المنطلقات والتي إرتكب فيها الجانب اللبناني أخطاء مميتة منذ أن وقّع لبنان بتاريخ 17 كانون الثاني/يناير 2007 اتفاقية ترسيم المنطقة الإقتصادية الخالصة مع قبرص. يقود ذلك إلى القول إن نتيجة المفاوضات مع “إسرائيل”، سترتب على لبنان إعادة ترسيم حدوده مع قبرص أولاً وفتح ملف الترسيم البحري مع سوريا ثانياً، مع الإشارة إلى أن دمشق سبق وأن تقدمت بشكوى ضد لبنان. فإذا قرر لبنان أن الجزر الصغيرة والصخور والأرخبيلات لا تعتمد كأساس في الترسيم البحري جنوباً (إستنادا إلى إجتهادات وأحكام دولية عديدة)، فإن ذلك يعني خسارة لبنان ما بين ألف إلى ألفي كيلومتر في الشمال لمصلحة سوريا.. زدْ على ذلك حسابات الترسيم مع قبرص خصوصاً في المثلث اللبناني “الإسرائيلي” القبرصي والمثلث اللبناني السوري القبرصي.

ثامناً، المفاوضات في الناقورة ليست مجرد مفاوضات على ارقام. “الاسرائيلي” يريد ان يثبّت ان ما يدعيه له وحده. لكأننا أمام لعبة سياسية اكبر بكثير من الغاز والتسييل والأنبوب المتوسطي الأوروبي. إنه التطبيع. يُردد “الإسرائيليون” أن ذلك مستبعد مع لبنان (يُطمئنونا)، لكن حقيقة الأمر تبدو مختلفة. أنت تعترف بعدوك بمجرد أن تفاوضه على حدوده وحدودك. أنت تعترف بأرضه وبحره. هل هناك من يريد للبنان قيمة مضافة (وظيفة جديدة) ما في إطار مشروع أوسع وأكبر من الغاز؟ هل ما عجزت عنه الحروب العسكرية يمكن أن توفره ما تسمى “الفرص الإقتصادية”؟

تاسعاً، الجغرافيا هي أهم ديكتاتور. تحدد مسارات ومصير البشر. هذا الديكتاتور جعل طائفة لبنانية، لها إمتداداتها الإقليمية على تماس مع عدو تاريخي. على تماس مع الترسيم. على تماس مع التوقيع.. من الحدود إلى وزارة المالية. للبحث صلة!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى