كتاب و آراء

قراءة في الدلالة الجيوبوليتيكية لزيارة الرئيس الأسد للصين د. حسن أحمد حسن

 د.حسن أحمد حسن

 29/09/2023

قراءة في الدلالة الجيوبوليتيكية لزيارة الرئيس الأسد للصين

د. حسن أحمد حسن(*)
حظيت الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس بشار الأسد والسيدة الأولى والوفد الرسمي عالي المستوى الذي رافقهما إلى الصين باهتمام قد يكون غير مسبوق، ومن تابع وسائل الإعلام ومراكز الدراسات يدرك أن حجم المقالات والدراسات التحليلية والبرامج الحوارية التلفزيونية والإذاعية والصحفية بلغت مستوى قياسياً لم تبلغه أية زيارة لرؤساء دول عظمى، ومن المهم التوقف عند هذا الجانب لمعرفة الأسباب الموجبة، ومنها يتم الانطلاق إلى القراءة والتحليل، وهنا يمكن القول: إنه على الرغم من الكم الكبير للدراسات والمقالات التي نشرت إلا أنها في غالبيتها بقيت دون الوصول إلى شاطئ واضح المعالم لسبب جوهري قد لا يظهر بشكل مباشر للجميع، لأن المسألة متعلقة بمنطلقات الدراسة والتحليل ذاته. وغالبية ما كتب ونشر انطلق من خلفية سياسية، أو جيو سياسية، وهذا يحول دون اتضاح صورة موقف متشكل ومبني على منطلقات الجيوبولتيك الذي يتضمن السياسة والاقتصاد والجغرافيا وعلم الاجتماع والعسكرة وعوامل القوة الشاملة للدول داخل حدودها السياسية وخارجها. وهذا أهم ما يرتكز إليه علم الجيوبولتيك الذي اختصر تعريفه المفكر الروسي الكسندر دوغين ووصل إلى نتيجة في نهاية كتاب يتضمن قرابة /600/ صفحة ليقول: إن الجيوبولتيك هو “علم السيادة والسيطرة”، وبالتالي هو يتضمن الإستراتيجيا ولا يتفرع عنها، وطاولة البحث الجيوبولتيكي يجب أن تتسع عند دراسة أية ظاهرة إلى ما يتعلق بها من الصراعات القائمة والمرافقة، ومن هي الأطراف المشتركة في الصراع بشكل مباشر، ومن هم المشتركون بشكل غير مباشر، إضافة إلى تحديد المستفيدين والمتضررين، والتفصيل في عوامل القوة والضعف، مع الأخذ بالحسبان عوامل القوة الفعلية والنظرية أو المحتملة، وكيف يمكن تحويل التحديات إلى فرص، وإن لم يكن ذلك ميسراً كيف يمكن منع تحول تلك التحديات إلى مخاطر وتهديدات على أقل تقدير، وبغير ذلك تبقى الدراسات تحوم على أطراف مملكة الجيوبولتيك، وبالتالي تبقى مسكونة بالمتناقضات التي لا يمكن المواءمة بين مكوناتها إلا بنهج جيوبوليتكي يحذف الرغبات والأماني والقناعات الذاتية ويعتمد على تشريح الواقع بكل مكوناته، عبر الاهتمام بالمسار، على خلاف السياسة وحتى الإستراتيجيا التي تعتمد على ثنائية محددة بشكل مسبق هي المقدمة والنتيجة، في حين أن المسار الذي يلعب دور فرن الصهر في عملية تحويل المدخلات إلى مخرجات يضطلع بالدور الأهم المتحكم بنوعية المخرجات، وفي هذا تتفاضل الدول والقادة، ولا سيما في الاستثمار الأنجع باللحظة التاريخية التي إن ذهبت لن تعود لأنها كماء النهر لا يستحم فيه مرتين.
المقدمة السابقة وإن طالت قليلاً إلا أنها ضرورية للتعامل مع حدث على مثل هذا المستوى من الأهمية، وقد يكون عصياً على الفهم الحديث عن التوقيع على اتفاقية إستراتيجية بين العملاق الاقتصادي المنافس لأمريكا والساعي لإزاحتها عن سنام الاقتصاد العالمي ليتربع مكانها، الصين، وبين دولة بحجم سورية التي تواجه أقذر حرب مفروضة عليها وعلى امتداد أكثر من اثني عشر عاماً، فضلاً عن الإمكانيات المتواضعة لسورية وغيرها من الدول مقارنة بالصين الشعبية، وقد يُخَيَّلُ لبعض من لا يريدون الخروج من شرنقة منهج التفكير السياسي التقليدي الذي فصله الغرب بما ينسجم ومصالحه وصدره للعالم ليتم اعتماده على أنه مسلمات، مع أن الحقيقة تقول إنه مجرد وجهات نظر قابلة للتفنيد، وفيه العديد من الثغرات التي يمكن العمل على توسيعها أكثر فأكثر كيلا تبقى الصورة ضبابية والمضمون غامضاً، لأن الثقل الجيوبولتيكي كفيل بتعديل طرفي المعادلة وإن بدت غير قابلة لإدخال أية تعديلات موضوعية بسبب الانكسارات الحادة المزمنة والمتراكمة في مسارات الرؤية التحليلية التقليدية، وضرورة إعادة النظر وتصحيح تلك الانكسارات، وإعادة ضبط البوصلة وفق المعايير الخاصة بالمصالح الوطنية والقومية العليا للدول، لا وفق معايير ومقاسات مفصلة بشكل مسبق، وهذا يحتاج إلى بحث علمي مستقل آمل أن أنجزه يومًا، وكي لا يبقى الكلام في إطاره النظري أكتفي الآن بالإشارة إلى عدد من النقاط المهمة والأفكار والعناوين الرئيسة ومنها:
• سورية مهمة للصين بقدر أهمية الصين لسورية، ولو لم يكن ذلك كذلك لما استخدمت الصين حق النقض الفيتو “8” مرات لمنع واشنطن ومن يدور في فلكها الآسن من الاستفراد بسورية التي تمثل قلب الشرق الأوسط، وهذا الشرق يقع في صلب استراتيجيات جميع القوى الدولية والإقليمية الراغبة بأن تحجز مكانها الخاص على حلبة التنافس الدولي في بنية النظام العالمي الجديد الذي يتشكل بعد أن ضاق العالم ذرعاً بالأحادية القطبية جراء غطرسة الإدارات الأمريكية المتعاقبة وتجبرها وتعاليها على الجميع، والتعامل مع كل الأطراف كأصحاب أدوار وظيفية لا كحلفاء ولا شركاء ولا أصدقاء، ومسرح الفاعلية الدولية وفق المدرسة الأمريكية لا يتسع إلا لـ “KING”  الأمريكي الذي يدير الصراع على رقعة الشطرنج الكونية وفق أهوائه، وبما يتناقض مع كل ما له علاقة بالقانون الدولي وإنسانية الإنسان.
• عندما يؤكد الرئيس الصيني أنّ بلاده مُستعدّة لتطوير التعاون مع سورية والدفاع المشترك عن العدالة الدولية في ظلّ ظروف عدم الاستقرار، فهذا يعني الكثير ومنه:
ـ العدالة الدولية في خطر، وعلى محبيها الدفاع عنها، والسؤال: في مواجهة من سيكون الدفاع؟.. الجواب بوضوح في وجه من يمتهن العدالة الدولية، أي في وجه أمريكا وأتباعها، وهنا يظهر البعد الجيوبوليتكي في كلام الرئيس الصيني.
ـ الدور الذي تستطيع أن تؤديه سورية أكبر بكثير من جغرافيتها، وأكبر بكثير مما تمتلكه من قوة ديموغرافية ودبلوماسية وما تبقى من صنوف القوة اللازمة للمواجهة، فالصين هي التي قالت ذلك بصفتها القطب المكافئ، لكن سورية هي التي مهدت البيئة الإستراتيجية لتمكين الصين وغيرها من قول ذلك، وسورية بقيادة السيد الرئيس بشار الأسد هي أول من قال بملء فيه: “لا” لأمريكا بعد أن أرعبت الكون واحتلت أفغانستان والعراق، والتزم المجتمع الدولي الصمت، إلى أن صدحت “لا” من العرين في قاسيون الصمود والشموخ والكرامة العصية على المصادرة أو المساومة.
ـ الدور السوري أكبر بكثير مما قد يخطر على الذهن بدليل صمود الدولة السورية أربع سنوات ونصف السنة قبل تدخل الأصدقاء الروس بشكل مباشر، ومن يستطع أن يصمد أربع سنوات ونصف السنة في مواجهة تحالف دولي تقوده أمريكا مؤهل ليضطلع بدور الشريك الحقيقي مع العملاق الصيني للدفاع عن العدالة الدولية في عالم يتصف بالاضطراب وعدم الاستقرار.
• الزيارة كانت بدعوة من الجانب الصيني، وهذا بحد ذاته بعد مهم يجب لحظه، فلماذا تدعو الصين الرئيس الأسد لزيارتها لو لم يكن مستقراً في العقل الصيني أن ما تضطلع به الدولة السورية بقيادة الأسد لا يستطيع غيرها تنفيذه، وبخاصة أن الدعوة أتت في مرحلة اقترب فيها الاشتباك الأمريكي ـ الصيني من الذروة، وتجاوزت المنافسة الاقتصادية بين العملاقين عناوين التسوية وتدوير الزوايا، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط التي تنظر لها واشنطن على أنها منطقة نفوذ أمريكي صرف، لكن اقتحام الصين للمنطقة عبر بوابة المصالحة الإيرانية ـ السعودية رفع السعار الأمريكي والتهديد في الحديقة الخلفية للصين وتوتير الأوضاع في بحر الصين الجنوبي وزيادة الضغط عبر بوابة “تايوان”، والمعادل الموضوعي الوحيد الذي يمنح التنين الصيني الزخم المطلوب هو الدخول المباشر عبر بوابة قادرة على تحمل التداعيات، ويمكن الثقة بمن يقودها، وهي البوابة السورية الوحيدة المؤهلة للاضطلاع بهذا الدور انسجاماً مع ثوابتها ودفاعاً عن حقوقها وعن العدالة الدولية في الوقت نفسه.
• من المسلم به أن مشروع “الحزام والطريق” هو المشروع الأهم لدى الصين، وما أفرزته قمة العشرين والمسار الذي طلبه بايدن ينسف إمكانية الاستمرار بالمشروع الصيني الحالم ببلوغ شواطئ البحر المتوسط، وليس هناك من يستطيع تعويض الاختراق الأمريكي الجديد إلا سورية، وإذا قال قائل إن العلاقات الصينية ـ الإسرائيلية أكثر من جيدة، ويمكن لتل أبيب أن تناور وتغري بكين بأهميتها وما تمتلكه من فائض قوة لحماية الطريق باتجاهها، فلأولئك أقول: الأمن القومي للإمبراطوريات العظمى لا يقبل الغفلة، والأمن القومي الصيني وتعزيزه أصبح مرتبطاً بقدرة الصين على تسريع تنفيذ مشروعها، ولا يمكن للعقل الصيني أن يغامر بالاحتمالات المتأرجحة، والقادة الصينيون يدركون أن الكيان الإسرائيلي يمثل الولاية الأمريكية الواحدة والخمسين، وإذا ذهبت الأمور باتجاه مواجهة حتمية فتل أبيب حسمت أمرها سلفاً، ولن تكون إلا في الصف الأمريكي ضد أي اصطفاف مقابل.
• الفكر الإستراتيجي الصيني يحدد منطلقات عمله برؤية لا مكان فيها للرغبات والعواطف والأمنيات والأحلام، وهذا الفكر يدرك أن الأقدر على المساهمة بتنفيذ مشروع الحزام والطريق هم من يؤمنون بأهميته، ويقتنعون بجدواه، وليس هناك أكثر إيمانا وقناعة ممن تبنى جوهر المشروع بطرح آخر وتسمية تتقاطع مع المشروع الصيني، والجميع يدرك أن السيد الرئيس بشار الأسد هو أول من طرح مشروع ربط البحار الخمسة منذ عام 2004 أي قبل سنوات من إعلان الصين عن مشروع الحزام والطريق، وعندما نتحدث عن البحار الخمسة يعني ربط الدول المطلة على تلك البحار كحد أدنى، ناهيك عن امتداداتها البرية نحو الداخل، فعندما نتحدث عن البحر المتوسط فالحديث يشمل السواحل الجنوبية لأوروبا، والسواحل الشمالية لأفريقيا، والغرب الآسيوي بشكل مباشر، والبحر الأحمر يعني شرق أفريقيا، وجنوب غرب آسيا مع التذكير بالممرين الاستراتيجيين الأكثر أهمية وحيوية وهما باب المندب وقناة السويس، أما الخليج فتطل عليه الدول الخليجية في شبه الجزيرة العربية من الغرب، وإيران وامتدادها المفتوح نحو الشرق حتى شبه القارة الهندية، والبحر الأسود هو المنفذ الأهم للبحرية الروسية وطريقها نحو المياه الدافئة، وتتقاسم شواطئه تركيا وروسيا وجورجيا وعدد من دول أوربا الشرقية: بلغاريا ورومانيا ومولدافيا وأوكرانيا، وعلى سواحل بحر قزوين تطل خمس دول: روسيا وإيران وأذربيجان وتركمانستان وكازاخستان، ومنها باتجاه آسيا الوسطى فالشرق الآسيوي، وربط هذه البحار الخمسة وفق رؤية الرئيس الأسد يمثل جوهر مشروع الحزام والطريق الذي تعول عليه الصين لإراحة العالم من ضغط القبضة الأمريكية المتفردة بالقرار الدولي منذ عقود.
• الآباء المؤسسون للجيوبولتيك كعلم ارتكزوا في طروحاتهم على نظريتين: الأولى تقوم على أولوية القوة البرية وأفضليتها للتحكم بالعالم فكانت نظرية”الهارتلند” أي قلب العالم للمفكر الإنكليزي ماكندير، والنظرية الأخرى طرحها المفكران الأمريكيان “ماهان وسبايكمان” وهي تعطي الأولوية للقوة البحرية، مركزة على أن امتلاك السيطرة على المنطقة الشاطئية “الريملند” المطلة على البر المفتوح، وعندما تتقاطع رؤية الرئيس الأسد مع المشروع الصيني بربط البر بالبحر تتضح عندها أهمية الدور السوري والثقل الجيوبولتيكي لسورية التي يعول عليها الأصدقاء في الصين الشعبية.
• كل ما تبقى من حديث عن اتفاقيات موقعة اقتصادية وثقافية وخدمية تتعلق بإعادة إعمار ما هدمته الحرب وهو كثير، وضرورة تخفيف المعاناة المعيشية عن الشعب السوري المكتوي بنار الحرب المفروضة، وما يتعلق بها أمرٌ مهم، لكنه يحتل المرتبة الثانية وفق المنظور الجيوبولتيكي، فالتوقيع على اتفاقية إستراتيجية يعني قبل كل شيء رفع منسوب قدرة الدولة السورية على الصمود في مواجهة الضغوط والتحديات، وعلى صمودها تبنى المراحل التالية، كما يعني رفع سقف التحدي الصيني اقتصادياً وسياسياً، وهو سقف مرتبط بمستوى التحدي العسكري غير المسبوق الذي أعلنته روسيا الاتحادية، ولا شك أن ما يجري في ميادين المواجهة المفتوحة على الجغرافيا الأوكرانية كان حاضراً في المباحثات التي جرت، ومن المفيد هنا التذكير بأن سمعة السلاح الأطلسي التي تلطخت بتفوق السلاح الروسي تشكل بمفردها مسألة بحثية مستقلة، وهي في الوقت ذاته مرتبطة بمفرزات الصراع الكوني الذي أسفر حتى الآن عن انحسار نسبي في الهيمنة الأمريكية، وهنا مكمن الخطر، فعندما تدرك الإمبراطوريات العظمى أنها بدأت مرحلة الأفول تصبح أكثر عدوانية وتهوراً.
 خلاصة:
استمرار زيارة الرئيس بشار الأسد والسيدة الأولى والوفد المرافق لهما لمدة أسبوع اصطبغ بحفاوة غير مسبوقة، واهتمام منقطع النظير، وشملت اللقاءات الرسمية جميع المفاصل الحكومية الرسمية فضلاً عن زيارة جامعة الدراسات الأجنبية والريف والاطلاع على التجربة الصينية الرائدة في تطوير الريف وتحويله إلى قوة إنتاجية تساهم في تعزز الاقتصاد القومي الصيني والعديد من النشاطات والفعاليات الأخرى، وقد يكون من المبكر الحديث عن نتائج مباشرة لزيارة إستراتيجية لها ثقلها النوعي ودلالاتها الغنية في حسابات الفعالية والقدرة على تهيئة ما يلزم لإسدال الستارة على أحادية قطبية مقيتة، وما على واشنطن إلا الاستعداد لتقبل تجرع كأس أفول تفردها بالقرار الدولي، فقد سئم العالم عربدة بلاد العم سام التي لا تقيم وزنا إلا لمصالحها الخاصة على حساب مصالح الشعوب والدول المستقلة، وهذا ما لا يمكن أن يستمر، والديناميات التي يشهدها العالم اليوم لتطور الأحداث وتداعياتها تحمل الكثير من المؤشرات والمبشرات والقرائن الدالة التي تختزن في طياتها عوامل  طي الصفحة الأمريكية المفروضة بالتهديد والوعيد وفتح صفحة جديدة أساسها الاحترام المتبادل والالتزام بقيم المجتمع الإنساني والقانون الدولي.
 (*) لواء متقاعد – باحث سوري متخصص بالجيوبوليتيك والدراسات الاستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى