كتاب و آراء

لقاء في زمن المقاطعة

سادت لغة العداء و المواجهة و المقاطعة في العلاقات بين روسيا و الغرب، وصار من النادر ان نسمع عن لقاء أو فعالية تجمع بين ممثلي الطرفين للتعاون و ليس للمجابهة و خاصة في المجال الإعلامي.
فسوف يجمع مؤتمر الصحافة الدولي الثاني عشر “روسيا و اوروبا” ، العديد من ممثلي وسائل الإعلام و المؤسسات الرسمية و المدنية و شخصيات من الجانبين مازالت تؤمن بضرورة التواصل و الحوار و بدور الدبلوماسية الشعبية.
فقد تصاعدت المواجهة الإعلامية بين الغرب و روسيا على خلفية الازمة في اوكرانيا بالتوازي مع المواجهةالسياسية، و اذا كان من المعتاد ان يحرص كل طرف على دعم مواقفه بكسب الرأي العام و إيصال الحقيقة كما يراها،
الا ان المواجهة تحولت إلى حرب اعلامية تفتقد إلى احترام قواعد الصحافة و حرية الاعلام.
فقد كان من الصعب ان تخيل منع وصول المعلومات غير المرغوب بها الى المواطن الاوروبي في هذا القرن، و هذا ما حصل بعد ان أصدر الاتحاد الأوروبي قراراً حظر بموجبه وسائل إعلام روسية كقناة “روسيا اليوم” و “سبوتنيك” ومنعها من البث في دول الإتحاد وأغلق مكاتب القناتين بحجة نشرهما معلومات مضللة.
و لم تكتف أوروبا بذلك بل تم حجب موقعي القناتين على الإنترنت و طلب من غوغل حجب اسم الوسيلتين الإعلاميتين تماما بحيث لا تظهران حتى لدى البحث في محرك البحث غوغل.

كما طالبت المفوضية الأوروبية منصات التواصل الاجتماعي كفيسبوك وتويتر ويوتيوب وتيك توك بمنع وسائل الإعلام الروسية الرسمية نشر موادها أو منشوراتها على صفحاتها في القارة الأوروبية.
بل وصل المنع الى من يعيد نشر مواد وسائل الإعلام الروسية على منصات وسائل التواصل الإجتماعي.

كل هذا لجعل المواطن الأوروبي يسمع ويشاهد ويقرأ ما تقوله وسائل الإعلام الحليفة عن الحرب في أوكرانيا و تبقى معلوماته ضمن اطار مواقف الحكومات الغربية من الأزمة الأوكرانية، بينما تغيب تماما الرؤية الروسية و الموقف الروسي الرسمي من الاحداث.

و انتقد صحفيون قرار المنع باعتباره سابقة خطيرة تثير الكثير من التساؤلات حول حدود حرية الصحافة، خاصة أن المؤسسات الأوروبية والثقافة الغربية تقدسان أسس حرية التعبير وتدافعان عن حرية الصحافة، في إطار حق التواصل الإعلامي والنشر الصحافي بدون قيود سياسية أو أيديولوجية.
و أن حرية الصحافة تقتضي الاستماع إلى الرأي والرأي الآخر”.
و طالبوا أن تحترم الدول الاوروبية على الأقل ميدان التواصل الإخباري.
واعتبروا أن المنع هو نوع من التدجين للجمهور والتعسف في تسيير الحقائق، حيث كان من الأنسب ترك جميع الأصوات تعبر، وفي آخر المطاف الجمهور هو الذي يختار .

و أبدى محللون استيائهم مما الت اليه الحال في مجال الصحافة و الاعلام في اوروبا، و وجود ازدواجية معايير صارت واضحة في العقد الاخير،
فلماذا لم تمنع وسائل إعلام نشرت معلومات ملفقة و محرضة استخدمت في خلق نزاعات و شن حروب و تدمير دول كالعراق و ليبيا و سورية و افريقيا، و لم تمنع “شارلي ايبدو” من نشر كاريكاتورات مستفزة و مسيئة للمقدسات و لمشاعر الملايين .
في نفس الوقت نلاحظ تحكم رأس المال و السياسة بشكل غير مسبوق، و هذا ما ظهر في تعامل الإعلام مع القضية الليبية او السورية, حيث بدأ اهتمام مثير بكل ما يجري هناك، و شنت من 2010 حرب اعلامية قذرة و بحجم كبير، و لكن في 2023 أبدت نفس وسائل الإعلام لا مبالاة غير انسانية، حيث لم يسمع معظم المواطنين الأوروبيين بأن سورية اصابها زلزال لأن اغلب الانباء كانت حول زلزال تركيا، و كذلك لم تحظ فيضانات ليبيا التي قضى فيها الالاف على الاهتمام المطلوب في الجانب المقابل من البحر المتوسط.
كما جرى ايضا في السنوات الماضية تغييب لاصوات وقفت ضد هذه السياسات و الحروب، و أبعاد لصحفيين عبروا ضد التدخل في الازمة الاوكرانية.

اما على الجانب الروسي، فقد كانت الاجراءات متدرجة في حدتها، ربما لان السياسة الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي حرصت على التمسك بالمكاسب الديمقراطية و حرية الرأي و الاعلام التي اعلنتها منعا من العودة الى تجربة الحزب الواحد و الرقابة الصارمة،
فنلاحظ ان الخارجية الروسية بدأت بتوجيه عدة تحذيرات بخصوص ما تتعرض له وسائل الإعلام الروسية في الغرب و أنها ستقوم بردود مماثلة،
فقامت تدريجيا بالرد على القرار الاوروبي، و جرى حجب العديد من وسائل الإعلام الغربية،
و بعدها انذرت وسائل التواصل الإجتماعي كفيسبوك و تويتر وغيرها، لتقوم بعد ذلك بحجب من رفض الامتثال إلى القرارات الحكومية.
لكن روسيا رغم تحذيراتها لم تمض في منع كامل لوسائل الإعلام الغربية، اذ تركت العديد منها يتابع عمله و لم تغلق مكاتبها في موسكو.
لكن مع استمرار الحرب و الاستفزازات صارت الاجراءات لمنع البروباغندا المعاكسة اكثر صرامة، فصدرت عدة قوانين تضع المخالف تحت طائلة المحاسبة القانونية، و لتوجه الاعلام للاعتماد على معلومات وزارة الدفاع الروسية و استخدام الخطاب الرسمي، الذي يصف ما يجري في أوكرانيا ب “العملية الخاصة” و يمنع وصفها ب”الحرب”.

بالنتيجة يعتبر العديد من المحللين ان الازمة الاوكرانية انعكست سلبيا على حرية الصحافة و الإعلام في روسيا و اوروبا، ربما بشكل اسوء من زمن الحرب الباردة.

من هنا تأتي أهمية انعقاد المؤتمر الدولي الثاني عشر “روسيا و اوروبا – القضايا الراهنة للصحافة الدولية المعاصرة”
كمحاولة تشكيل حوار إيجابي بناء بين الإعلاميين والدبلوماسيين والسياسيين و ممثلي المنظمات المدنية.

وسيناقش المؤتمر سلسلة من اهم الأحداث الدولية التي حصلت منذ عام 2011 ، و سيركز المشاركون على مشاكل وآفاق الصحافة الدولية في ظل العلاقات المتوترة بين روسيا وأوروبا،
وقد أكد وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف على أهمية المؤتمر و الدور المؤثر الذي يقوم به الإعلام و الدبلوماسية الشعبية لتقارب وجهات النظر،
و من الرمزية ان المؤتمر سينعقد لأول مرة في مدينة فيبورغ التاريخية الجميلة المطلة على بحر البلطيق و هي من اقرب المدن الروسية لاوروبا
و سيكون المجال مفتوح للصحفيين و المهتمين للمشاركة سواء بالحضور يوم 6 أكتوبر او عبر الإنترنت (سيتم إرسال الرابط بعد التسجيل).
لغة المؤتمر الروسية والإنجليزية مع ترجمة فورية.
ملاحظة- استمارة التسجيل للمشاركين والمستمعين وممثلي وسائل الإعلام متاحة على الرابط: Journalism2023.ru/en/

وضاح الجندي- مدير مركز التعاون الروسي العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى