كتاب و آراء

الموقف الأوروبي منبطحاً

الموقف الأوروبي منبطحا !
مع استمرار المجزرة في غزة على يد آلة التدمير و القتل الصهيونية، يصطدم العقل بالمواقف الدولية على خلفية ما نرى كل يوم من صور لاشلاء من رمل و دم تروي قصصا لبشر يقتلون و جثث لاطفال كملائكة تحلق إلى السماء،
لكن مشهدا واحدا استطاع ان يختصر لحد كبير جملة المواقف و الاجتماعات و التعليقات لقادة الدول و المنظمات، أنه مشهد انبطاح الوفد الألماني بقيادة المستشار شولتز في مطار تل ابيب بعد نزولهم من الطائرة يوم 17 أكتوبر.
و ربما يتسائل المشاهد -غير العارف- عن سر الانبطاح ارضا، فيظن انه خشوعا لهذه الارض المسلوبة امام الذنب الاوروبي التاريخي الذي سلح و دعم اسرائيل وسمح لها إلى اليوم باراقة الدم الفلسطيني.
فهذا يبدو متناسقا مع مبادئ الإنسانية الاوروبية المتفانية في حماية حقوق الانسان و دعم حق الشعوب في تقرير مصيرها إلى درجة تسليح مختلف الجماعات المتطرفة وشن الحروب في ليبيا و سورية و أوكرانيا ثم استقبال اللاجئين منها.
فليس من المعقول ان تدفع صفارة إنذار من رشقات صواريخ قسام وفد أكبر دولة اوروبية إلى الانبطاح خوفا !
فنحن نذكر كيف كانت الوفود الأوروبية تستعرض بخطوات واثقة شجاعتها في شوارع كييف، او انهم يعرفون ان بوتين لن يسمح للصواريخ الروسية الفتاكة باهانة ما تبقى من كرامة الأوروبيين.
اما هنا و للأسف فان هذا المشهد يعكس برمزية بالغة واقع ما الت اليه القارة العجوز، و على الأخص قاطرة الاتحاد الأوروبي و الدولة الاقوى اقتصاديا ألمانيا.
فالحال يقول ان المستشار شولتز يقود المانيا في خط بياني هابط في عدة مناحي،
ففي مجال السياسة الدولية ابتعد شولتز في تبعيته للسياسات الأمريكية في العلاقات مع روسيا و أوكرانيا و الصين و الحرب في غزة عن الاستقلالية النسبية التي تركتها له ميركل، ليصل إلى مرحلة الانبطاح.
بل حتى أمام اسرائيل حضر حاملا عقدة الذنب اليهودي لينبطح امام مطالب نتنياهو فور نزوله من الطائرة.
اما اقتصاديا، فشولتز افضل من يرسم بنفسه الخط البياني الهابط، فهو الذي كان وزيرا للمالية في حكومة ميركل عندما تمكنت المانيا بفضل الغاز الروسي الرخيص من دعم اقتصادها و قيادة القطار الاوروبي، و أين هي قوة و نمو الاقتصاد الألماني الذي يعاني اليوم من التضخم و هبوط المؤشرات تحت قيادة شولتز و حكومة الائتلاف مع حزب البيئة و بدائل الغاز الرخيص، و تبعات دعم أوكرانيا ماليا و عسكريا و زيادة نفقات الدفاع.
و طبعا لا بد ان ينعكس على الشارع الالماني و أصوات الناخبين و هنا يظهر السقوط الثالث في السياسة الداخلية و هو الدليل الاوضح على فشل المستشار،
فقد ترجم هبوط شعبية المستشار شولتز في نتائج الانتخابات مع خسارة لحزبه الاشتراكي الديمقراطي في انتخابات ولايتي بافاريا وهيسن،
وأعربت وزيرة الداخلية الألمانية ومرشحة للحزب الاشتراكي الديمقراطي لرئاسة حكومة ولاية هيسن نانسي فيزر عن خيبة أملها للخسائر التي تعرض لها حزبها في الولايتين.
و علقت قائلة “لقد واجهنا رياحا معاكسة كثيرة، رأينا هذا في استطلاعات الرأي. لهذا السبب لم يكن الأمر مفاجئا، لكننا نشعر بخيبة أمل كبيرة”، في إشارة إلى النتيجة الضعيفة لحزبها.
و السؤال اذا كنتم تعلمون من استطلاعات الرأي تراجع شعبيتكم فلماذا الاستمرار في نفس السياسات هل هو عدم امكانية التغيير و التبعية في اكثر من ملف اساسي؟
و كان السقوط المدوي و الهزيمة التاريخية لحزب المستشار الألماني أولاف شولتس في خسارة منصب عمدة برلين لصالح عضو حزب المعارضة الاتحاد الديمقراطي المسيحي و ذلك لأول مرة منذ عشرين عامًا.
طبعا اذا نظرنا من الناحية الإنسانية فالسقوط الأكبر هو السقوط الأخلاقي في الدعم الاعمى لسياسة القتل الإسرائيلية و المنع الرسمي للتعاطف الشعبي مع حق الفلسطينين، و هذا ما أسندته الغارديان إلى عقدة الذنب امام اليهود التي ما زال يحملها الساسة الالمان، لكن الأمر ابعد من ذلك فعقدة الذنب لا تسمح بقتل آلاف الأطفال، بل أنه شكل آخر من الانبطاح.

د.وضاح الجندي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى