كتاب و آراء

غزة …. مآساة الاستنزاف لإسرائيل وواقعية قوة المقاومة.

 

تحولات استراتيجية تطرأ يوماً تلو الآخر منذ 7 تشرين الأول الماضي، لترسم بتفاصيلها مستقبل منطقة الشرق الأوسط، في ظل الصراع مع ” إسرائيل”، وطبيعة القوى المتواجدة فيه، والتي أظهرت تفرداً نوعياً على صعيد الانتقال من الدور الهام للدولة، إلى دور أكثر تطوراً يناط بفصائل وأحزاب قوى المقاومة، وهذا بالتالي شكّل عامل صدمة بالنسبة “لإسرائيل” حكومة وجيشاَ، نتيجة خطا في حساباتها الاستراتيجية سياسياَ وعسكرياً، إضافة لتنامي قدرات فواعل محور المقاومة، وامتلاكها زمام المبادرة، وهذا ما أدى بدوره أيضاً لمعضلة وجودية- أمنية أمام “إسرائيل”.
يؤكد مسار تطور الأحداث في ظل الحرب، مدى قدرة المقاومة على امتلاك عناصر المرونة التكتيكية في بقعة جغرافية صغيرة داخل قطاع غزة، بالتزامن مع الإحاطة الاستراتيجية والاستعداد لطول أمد الحرب، مما ألحق الخسائر الكبيرة “بالجيش الإسرائيلي”، وهذا بالمقارنة بين قدرات فصائل المقاومة وخاصة ” حماس” المحدودة وتعداد مقاتليها الذي يبلغ 25 ألف مقاتل فقط، والقدرات ” الإسرائيلية” والتفوق من حيث السلاح والتكنولوجيا، وتعداد الجيش الإسرائيلي مضافاً إليه عناصر الاحتياط البالغ عددهم الإجمالي 550 ألف جندي، ومن خلال قراءة تحليلية لواقع الميدان فقد استطاعت فصائل المقاومة من كسر معادلة التفوق العددي.
من جانب آخر فأن دخول حزب الله من جبهة الجنوب اللبناني بما يمتلكه من خبرات ميدانية وأسلحة متطورة، وأيضاً القوات المسلحة اليمنية لاحقاً باستهدافها بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة لإسرائيل يصل مداها لأكثر من 2000 كم، واحتجاز السفن الإسرائيلية، وتهديد السفن الأمريكية، وتكبيد الأولى خسائر تجارية بعشرات مليارات الدولارات، أدى إلى تحقيق عنصر الإرباك للأخيرة إضافة لعدم القابلية بالتعامل مع الجبهات المفتوحة، فضلاً عن استهدافات فصائل المقاومة الإسلامية العراقية للقواعد الأمريكية لتعميق عنصر الضغط عليها وعلى الدعم الأمريكي المباشر لإسرائيل، وفي تفادي مختلف الأطراف الانجرار نحو حرب إقليمية واسعة وشاملة نتيجة خطأ في الحسابات.
وقد أكدت صحيفة ” تايمز اوف إسرائيل” بأن الاقتصاد الإسرائيلي سينكمش في العام 2024 بنسبة 18%، وأن التكلفة اليومية للحرب للاقتصاد الإسرائيلي بلغت 270 مليون دولار، ما يعادل 10% من حجم الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لمعهد دراسات الأمن القومي, تعتمد شدة الأضرار والخسائر التي تلحق “بإسرائيل” على طول أمد الصراع، الذي من شأنه أن يشكّ أزمات اقتصادية هيكلية عميقة في مؤسساتها، وهذا سيؤدي بالتالي لانعكاس السعي على مستوى الصناعات الدفاعية، وهذا ما يفسّر بالتالي التسليح الأمريكي والدعم المباشر، إذ أكدت صحيفة “وول ستريت جورنال” بأن الولايات المتحدة زودّت ” الجيش الإسرائيلي” بأكثر من 15 ألف قنبلة منها قنابل (BLU-109) الخارقة للتحصينات وتزن 900كغ، و قنابل (MK82)، و57 ألف قذيفة مدفعية، وبالتالي فأن قرار الهدنة جاء وسط ضغوطات كبيرة خاصة على الحكومة الإسرائيلية من خلال اُسر الأسرى، والخسائر في الميدان، حيث تعمل الإدارة الأمريكية وفق مسارين، الأول، دعم إسرائيل بمختلف أنواع الأسلحة ولكن بشكل مدروس بسبب الانقسامات في الإدارة، وفشل نتنياهو وصورته امام الرأي العام العالمي باعتباره مجرم حرب يقوم بجرائم الإبادة والتطهير العرقي في ظل حرب غير تقليدية يواجهها كيان العدو، المسار الثاني بتحديد فترات للهدنة بوساطة كل من مصر وقطر والتي من شأنها محاولة إعادة تنظيم الجيش الإسرائيلي، إلا أن هذه الهدنة قد أغطت لحماس نصراً سياسياً وعسكرياً وميزات تكتيكية أكبر، إضافة إلى أن استئناف العمليات القتالية في اليوم الأول قد كلّف القبة الحديدية خسائر ب 70 مليون دولار وفقاً لوسائل إعلام إسرائيلية.
لذلك فأن مدى تحمل إسرائيل للحرب يقف على عدة عوامل أساسية:
1- طبيعة الحرب ومدتها: يشير تقرير لمعهد دراسات الامن القومي الإسرائيلي، أن الحرب ضد حماس قد تمتد لفترة طويلة لأشهر أو أكثر، وإن كانت بدرجات متفاوتة وهذا بالتالي يؤثر على الدعم المجتمعي الذي يعد أساساً لاستمرار الحرب ضد حماس، إضافة لارتباطه بالإنجازات العسكرية التي لم تتحقق بعد حتى اليوم من الجانب الإسرائيلي.
2- الأسرى والمحتجزون: وهو ما يشكل أداة ضغط كبيرة في الداخل الإسرائيلي ومسألة معقدة، فهي في وضع غير مسبوق باحتجاز النساء والأطفال، وهذا ما يجعل صناع القرار أمام معضلة كبير، وبما يشكل (زعزعة للمناعة القومية).
3- التحدي المدني في الشمال: تحول هذا الملف إلى عبء على إسرائيل، وخاصة اقتصادياً بسبب انتقال المستوطنين إلى مناطق أخرى.
4- توسيع المواجهة وتعدد الجبهات: وذلك من خلال ما يحصل من جنوب لبنان، واستهداف القوات المسلحة اليمنية لإسرائيل بالطائرات المسيرة والصواريخ البالستية، والخوف الإسرائيلي من توسع رقعة الحرب لتصبح شاملة في المنطقة مما يدخل فاعلين جدد على مسار هذه الحرب.
5- الاقتصاد القومي: وهذا يأتي نتيجة التحديات المتصاعدة من الضغط الاقتصادي نتيجة الإنفاق العسكري، الذي يتوقع أن يبلغ 48 مليار دولار خلال السنتين القادمتين، كما أن إسرائيل تعمل على خنق الاقتصاد الفلسطيني نظراً لاعتماده على الواردات الإسرائيلية وكذلك في صادراته، من خلال ممارسة الضغط بشكل متصاعد.
استطاعت قوى المقاومة تحقيق أهداف أكثر من المتوقع، نظراً للضعف والفشل العسكري والاستخباراتي للعدو، والترتيبات الدقيقة التي عملت المقاومة على حسابها، فقد أصيب الجيش الإسرائيلي بفجوات كبيرة بين توصياته من جهة والمسؤولين عن القصور الذي لحق به من جهة أخرى، إضافة لطبيعة الميدان والواقع الذي يعطي نتائج بعكس المرجوة مما أدى (لهبوط في التوتر العملياتي) في صفوف جيش الاحتلال، وهذا أكّد معادلة جهوزية المقاومة وقدراتها على استنزاف العدو بالرغم من الحصار والقصف العنيف، وبأن استمرار هذه الحرب ستكبد إسرائيل خسائر كبيرة، لاسيما على المستوى النفسي والانكسار العقائدي في صفوف الجيش، كما أن الحسابات الأمريكية تذهب إلى ضرورة إنهاء الحرب خلال أشهر قليلة، نظراً لعدم تحمل الضغط الدولي والجبهات العديدة المفتوحة والتي تتطلب دعماً أمريكياً يرهق الولايات المتحدة.

عزيز موسى : كاتب وباحث في الشؤون الدولية والأمنية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى