كتاب و آراء

الانتخابات الرئاسية الروسية: “توافق داخلي و مواجهة خارجية”!

 

يقترب موعد اغلاق مراكز الاقتراع و ختام الانتخابات الرئاسيةالروسية، و لكن الاهتمام بها مستمر و خاصة خارج روسيا.
نعم لا احد ينتظر مفاجأت انتخابية، فالاجماع العام على فوز بوتين لا شك فيه حتى من الغرب و معارضيه القلائل.
و يتفق المرشحون الثلاثة مع بوتين في مجمل توجهاته السياسية، كالموقف من الازمة الأوكرانية و حتى في قرارات ضم القرم و المناطق الجديدة، و المواجهة المتفاقمة مع الغرب، و غيرها من ملفات السياسة الخارجية.
اما المعارضة الأكثر تمايزا فهي لم تملك شعبية واسعة حتى قبل رئاسة بوتين ، و على مدى السنوات الاخيرة انحسرت شعبية المعارضة الليبرالية لارتباطها بالسياسات الغربية، و بعد بداية الحرب الأوكرانية غادر العديد من الشخصيات الليبرالية الى إسرائيل و الغرب، بينما غادر البعض من المتطرفين النازيين إلى أوكرانيا.
كما سببت العقوبات الغربية ردا عكسيا، لأنها بعد منعها للإعلام الروسي، ردت روسيا بحجب مواقع العديد من وسائل الإعلام غير الصديقة، وهذا ما حرم المعارضة من اهم وسائل التأثير (عبر الانترنت) على الشعب.
لكن الاهتمام بالانتخابات الروسية ينطلق بشكل اساسي من التغييرات العالمية التي يساهم فيها تنامي الدور الروسي في السنوات الاخيرة ، و التي انعكست على أرض الواقع من سوريا و الشرق الاوسط إلى افريقيا, مما أظهر أملا بوجود حلول بديلة عن الهيمنة الغربية، التي قصفت و دمرت في أفغانستان و العراق و ليبيا و اليمن و لكنها غير قادرة على ايقاف الابادة في فلسطين.

 

 

و لاشك أن ذلك ارتبط بشخص الرئيس بوتين، و تحوله إلى زعيم عالمي، مع تطلع الشعوب إلى نهج يسعى للعدالة المفقودة في العلاقات الدولية
من هنا تأتي تخوفات الغرب من أن فوز بوتين الكاسح و امساكه بزمام الأمور إلى 2030، سيمكنه من تدعيم خطه المواجه للهيمنة الغربية، و التصعيد على عدة محاور سواء في أوكرانيا، او تجاه دول اوروبية امعنت في استفزاز روسيا، إضافة الى الخوف من تعميق التعاون مع دول الجنوب الكبير نحو عالم متعدد الاقطاب يزيل احادية القطب.
لهذا يحاول الغرب اضفاء السلبية على الانتخابات و عرقلتها حتى لا يكون للفوز صبغة إيجابية.
و قد بدأت الاستفزازات قبل الانتخابات، فكانت الأجواء أشبه بتحضيرات لمواجهة عسكرية – ليس بين المرشحين بل بين روسيا و الغرب- و تستمر مع استمرار التصويت.
فلاحظنا تصاعد حدة الخطاب الغربي بعدم شرعية الانتخابات في المناطق المنضمة حديثا، و اتهامات حول موت “نافالني” في سجنه النائي، بعد فشل الغرب في تطوير مشروعه المعارض، و هو نفسه الذي قام عام 2015 بدعم مقبور اخر هو “انطون نوسيك” -مدون يحمل الجنسية الإسرائيلية- عندما حوكم بسبب تصريحه ( بوجوب قصف سورية و نسائها لانهن سيلدن أطفالا تكبر و تقاتل إسرائيل)، نعم يا سادة هذه مسطرة (من رأس السحارة) المعارضة لبوتين.
و أمام غياب ديوك صياحة في المعارضة اضطر الاوروبيون لاطلاق اصوات ديوكهم، و أكثرهم صباحا و تبجحا “ماكرون” و كونه لم يخدم بالجيش و لم يذق طعم الدم و البارود، اخذ يلوح بمشاركة عسكرية للناتو في الصراع الأوكراني،
و لا نسقط من الحساب مناورات الناتو العسكرية الضخمة الجارية في النرويج، على حدود روسيا بمشاركة جيرانها فنلندا و السويد (المحايدة سابقا).
و تزامنا مع ذلك ازدادت حدة الهجمات الأوكرانية باستخدام الدرونات على المدن الروسية و ذهب ضحيتها العديد من المدنيين، و قضى طالب جامعي سوري في قصف مركز تجاري على مدينة بيلغورد الحدودية.
و جرت محاولات اختراقات لقرى حدودية من قبل مجموعات نازية روسية تحت امرة القيادة الأوكرانية.
و قد صرح السفير الروسي في واشنطن “انتونوف” عن تلقي تهديدات بحصول استفزازات و تهجمات على البعثات الدبلوماسية لتعطيل التصويت،
و أكد وزير التنمية الرقمية “شادييف” حصول قرصنة وهجمات سيبريانية لتعطيل آلية الانتخابات.
و حدثت في اول يوم للتصويت بعض محاولات الترهيب و التخريب كحرق الصناديق أو رش مادة ملونة، و قد اعترف فاعليها بأن الاستخبارات الأوكرانية جندتهم للقيام بذلك.
و أحبطت الأجهزة الأمنية مخططات لأعمال إرهابية في عدة مناطق.
بالمقابل بدا واضحا ان القيادة الروسية برغم النتيجة المحسومة مسبقا لصالح بوتين، دخلت في تحد للوصول لافضل نتيجة و بأكثر الاليات شفافية، مع ضمان الامان للناخبين.
فمن ناحية عملت الحكومة و لجنة ادارة الانتخابات على جذب الناخبين و توفير التسهيلات فلأول مرة تمتد فترة التصويت لثلاثة أيام.
و افتحت مراكز الاقتراع في مناطق نائية حتى في المنطقة القطبية.
و عدا عن الدعاية في التلفزيون، انتشرت لوحات إعلانية كبيرة تحض على المشاركة و يظهر فيها شعار V الذي تستخدمه القوات الروسية في أوكرانيا، وكتب فيها “نحن أقوى معا. لننتخب من أجل روسيا!”
و تمكن حوالي 2 مليون مواطن من التصويت مسبقا، و خاصة في المناطق المنضمة حديثا التي شهدت نسبة اقبال عالية بالرغم من الاعترضات الغربية و التعديات الأوكرانية..
كما حثّ الرئيس بوتين بنفسه – عبر كلمة مصورة بثها التلفزيون الروسي الرسمي يوم الخميس 14 مارس/اذار- المواطنين على المشاركة في الانتخابات للتعبير عن وطنيتهم.
وقال بوتين مخاطبا شعبه “تعلمون أن بلدنا يمر بفترة صعبة وأن هناك تحديات معقدة نواجهها على كل المستويات تقريبا”.
و تظهر الارقام الاولية أن الضغوطات الغربية و الهجومات الاوكرانية ادت إلى نتيجة عكسية، و هي ليست المرة الأولى التي يظهر الشعب الروسي صلابته و يختار لتعزيز مكانة روسيا في العالم المواجهة و عدم الاذعان للضغوط الغربية، و هذا يعكسه الاقبال غير المسبوق على التصويت فقلل اغلاق الصناديق تخطت نسبة المشاركة 71% اي ان المشاركة ستسجل رقما قياسيا.
و بينما تغيب OSCE, يشارك أكثر من 700 مراقب اجنبي من 106 بلدا, في متابعة التصويت في الاقالبم الروسية بما فيها المنضمة حديثا.
و كثير منهم يرغب أن يكون شاهدا على التوجه نحو مستقبل واعد لعالم التعددية و العدالة.

وضاح الجندي
مركز التعاون الروسي العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى